هيئة التحرير
أعاد لجوء المركز السينمائي المغربي، خلال الأسابيع الأخيرة، إلى نشر صور وأسماء بعض المنتجين السينمائيين، مصحوبة بتعريف بشركاتهم ومساراتهم المهنية عبر منصاته الرسمية، إلى الواجهة نقاشًا مهنيًا هادئًا لكنه عميق، حول حدود التواصل المؤسساتي، وما إذا كان هذا الأسلوب ينسجم فعلًا مع طبيعة مؤسسة عمومية يُفترض فيها التحفظ والحياد.
فالمركز السينمائي المغربي ليس جهازًا تواصليًا أو منصة ترويجية، بل مؤسسة عمومية ذات طابع تنظيمي، تضطلع بأدوار حساسة تمس صميم القطاع: من منح تراخيص التصوير، إلى تنظيم الاستغلال السينمائي، مرورًا بالإشراف على آليات الدعم العمومي، والسهر على احترام القوانين المؤطرة للمهنة. وهي أدوار تجعل من الحياد والإنصاف شرطًا أساسيًا في كل ممارسة، بما فيها التواصل.
بين التعريف والتفضيل… منطقة رمادية
ما أثار الانتباه داخل الأوساط المهنية ليس مضمون هذه المنشورات في حد ذاته، بل طابعها الانتقائي. إذ لم يسبق للمركز، في تاريخه الحديث، أن اعتمد سياسة تواصلية تقوم على إبراز فاعلين بعينهم دون توضيح الإطار أو المعايير المعتمدة في اختيارهم، أو الهدف من تسليط الضوء عليهم دون غيرهم.
هذا الغياب للتوضيح خلق منطقة رمادية، فتحت الباب أمام تأويلات متعددة، بعضها يربط الأمر بمجرد اجتهاد تواصلي، وبعضها الآخر يرى فيه مخاطرة غير محسوبة قد تُفهم، ولو بشكل غير مقصود، على أنها تمييز إيجابي أو محاباة رمزية داخل قطاع شديد الحساسية لمسألة تكافؤ الفرص.
التوقيت… عنصر لا يمكن تجاهله
وتزداد حدة هذه التساؤلات بالنظر إلى تزامن بعض هذه المنشورات مع مرور أسماء معنية أمام لجنة دعم الإنتاج السينمائي. ففي مثل هذه السياقات، لا يُقاس الحياد فقط بسلامة القرار النهائي، بل كذلك بسلامة المناخ الذي تُدار فيه المساطر.
فالإدارة العمومية، خاصة حين تكون في موقع تقرير أو تنظيم، مطالبة ليس فقط بتجنب التأثير الفعلي، بل أيضًا بتفادي كل ما قد يُحدث انطباعًا بوجود تأثير محتمل، لأن الثقة في المؤسسات تُبنى على الشعور بالإنصاف بقدر ما تُبنى على القواعد القانونية.
المرجعية الدستورية… بوصلة لا تحتمل التأويل
الدستور المغربي كان واضحًا في هذا الباب. فمبدأ المساواة أمام القانون، ومحاربة كل أشكال المحاباة واستغلال النفوذ، وضمان تكافؤ الفرص، ليست شعارات أخلاقية، بل التزامات دستورية صريحة.
كما أن المرافق العمومية، وفق الدستور وميثاقها القانوني، مطالبة بالشفافية، والحياد، والمعاملة المتساوية، سواء في قراراتها أو في سلوكها وتواصلها. وهي مبادئ لا تتجزأ، ولا يمكن التعامل معها بانتقائية أو اجتهاد ظرفي.
حين يصبح التواصل ممارسة مؤسساتية حساسة
لا أحد يشكك في حق المؤسسات العمومية في التواصل أو التعريف بأدوارها، لكن هذا الحق يصبح أكثر حساسية حين يتعلق الأمر بمؤسسة تنظيمية تمسك بخيوط متعددة داخل القطاع الذي تُشرف عليه.
فالتواصل، حين يفقد توازنه، قد يتحول من أداة توضيح إلى مصدر لبس، ومن وسيلة انفتاح إلى عنصر تشويش، حتى وإن كانت النوايا سليمة. وهو ما يفرض، في مثل هذه الحالات، أقصى درجات التحفظ والوضوح.
الحاجة إلى توضيح… لا إلى خصومة
ما يطرحه هذا النقاش ليس اتهامًا، ولا تشكيكًا في الذمم، بل دعوة هادئة إلى توضيح مؤسساتي يعيد الأمور إلى نصابها، ويقطع الطريق أمام التأويلات، ويُعزز الثقة في مؤسسة محورية داخل المشهد السينمائي الوطني.
فالحياد لا يُحمى فقط بالقوانين، بل بالممارسة اليومية، وباختيارات تواصلية واعية، تُراعي حساسية السياق، وتؤكد أن المركز السينمائي المغربي يظل فضاءً منفتحًا، ومنصفًا، ومتاحًا لجميع مهنيي السينما على قدم المساواة.

