نقاش
دخل الرئيس السنغالي السابق ماكي سال دائرة الترشيحات لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته مع نهاية سنة 2026، بعدما توصلت رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة رسمياً بملف ترشيحه مطلع هذا الأسبوع. ويأتي هذا الترشيح ليضيف اسماً إفريقياً بارزاً إلى سباق دولي يُرتقب أن يعرف منافسة دبلوماسية قوية خلال الأشهر المقبلة.
ويجد سال نفسه ضمن لائحة أولية من الشخصيات الدولية التي أبدت اهتمامها بالمنصب، من بينها الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت، إضافة إلى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي. ومن المنتظر أن يعرض مجلس الأمن هذه الترشيحات خلال النصف الثاني من السنة الجارية، قبل أن يرفع توصيته إلى الجمعية العامة التي تتولى اختيار الأمين العام الجديد.
غير أن دخول ماكي سال إلى هذا السباق يطرح أكثر من سؤال سياسي ودبلوماسي، خصوصاً في ما يتعلق بحظوظ القارة الإفريقية في قيادة المنظمة الأممية، وكذلك بشأن المواقف المحتملة لبعض الدول المؤثرة، وعلى رأسها المغرب الذي تجمعه علاقات سياسية قوية بالسنغال.
رهانات إفريقية
لطالما اعتبرت العديد من الدول الإفريقية أن الوقت قد حان لتولي شخصية من القارة منصب الأمين العام للأمم المتحدة، خاصة أن إفريقيا لم تحظ بهذا المنصب سوى مرة واحدة عندما شغله الدبلوماسي الغاني كوفي عنان بين سنتي 1997 و2006.
ويذهب عدد من المراقبين إلى أن ترشيح ماكي سال يأتي في سياق هذه المطالب المتزايدة بإعطاء القارة الإفريقية دوراً أكبر داخل المؤسسات الدولية، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية والتنموية التي تعرفها العديد من مناطق القارة.
كما يُنظر إلى سال باعتباره سياسياً يمتلك تجربة طويلة في تدبير الملفات الإقليمية والدولية، بحكم قيادته للسنغال لمدة اثني عشر عاماً، إضافة إلى حضوره في عدد من المبادرات الإفريقية المرتبطة بالتنمية والاستقرار السياسي.
علاقات خاصة مع المغرب
بالنسبة للمغرب، يكتسي ترشيح الرئيس السنغالي السابق بعداً خاصاً بالنظر إلى طبيعة العلاقات التاريخية التي تجمع الرباط وداكار. فقد ظلت السنغال، خلال السنوات الماضية، من بين أبرز الدول الإفريقية الداعمة للموقف المغربي في قضية الصحراء.
ويُستحضر في هذا السياق قرار السنغال فتح قنصلية عامة بمدينة الداخلة سنة 2021، في خطوة اعتُبرت آنذاك رسالة سياسية واضحة لدعم الوحدة الترابية للمملكة.
غير أن مراقبين يرون أن دعم أي مرشح لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة لا يرتبط فقط بالعلاقات الثنائية، بل تحكمه أيضاً حسابات دبلوماسية أوسع، تشمل مواقف الدول الكبرى داخل مجلس الأمن، إضافة إلى التوازنات الجيوسياسية داخل المنظمة الأممية.
حسابات السياسة الدولية
في الواقع، يبقى منصب الأمين العام للأمم المتحدة خاضعاً بشكل كبير لتوازنات القوى داخل مجلس الأمن، حيث تمتلك الدول الخمس الدائمة العضوية حق النقض (الفيتو)، ما يجعل أي مرشح محتمل بحاجة إلى توافق دولي واسع قبل الوصول إلى المرحلة النهائية من التصويت داخل الجمعية العامة.
ومن هنا، يرى بعض المتابعين أن جنسية المرشح أو انتماءه القاري قد لا يكونان العامل الحاسم في الاختيار، بقدر ما يتعلق الأمر بقدرته على الحفاظ على الحياد المؤسساتي والتعامل مع الملفات الدولية الحساسة وفق قواعد القانون الدولي.
ما الذي يهم المغرب؟
في نهاية المطاف، يبدو أن ما يشغل الرباط ليس فقط هوية الأمين العام المقبل، بل طبيعة مقاربته للقضايا الدولية، وعلى رأسها الملفات التي تمس المصالح الاستراتيجية للمملكة.
فالأمين العام للأمم المتحدة، رغم ما يتمتع به من وزن دبلوماسي ورمزي، يبقى دوره في كثير من الأحيان مرتبطاً بقرارات مجلس الأمن وتوازناته السياسية، وهو ما يجعل تأثيره في بعض القضايا محدوداً مقارنة بالسلطة الفعلية التي تمتلكها الدول الكبرى داخل المنظمة.
ومع اقتراب موعد الحسم في هذا السباق الدبلوماسي، سيظل ترشيح ماكي سال جزءاً من معادلة دولية معقدة، تتداخل فيها رهانات إفريقيا، وحسابات القوى الكبرى، وانتظارات الدول التي ترى في الأمم المتحدة فضاءً أساسياً للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.
