شهد القطاع الفلاحي في المغرب تحولاً ملحوظاً بفعل الثورة الرقمية خلال السنوات الأخيرة. لم يقتصر هذا التحول على استخدام تقنيات حديثة في الإنتاج، بل شمل أيضاً تبادل المعارف والخبرات بين المهنيين في مختلف التخصصات. أصبحت المنصات الرقمية مثل « فيسبوك » و »يوتيوب » و »إنستغرام » فضاءات جديدة يتبادل فيها الفلاحون والخبراء تجاربهم، مما أعاد تشكيل أساليب التعلم والتواصل في هذا القطاع الحيوي.
يظهر التدفق الكبير للمحتويات الرقمية المتعلقة بالزراعة وجود وعي متزايد لدى المهنيين بأهمية تبادل الخبرات وتعزيز الممارسات الجيدة، تماشياً مع الأهداف التي وضعتها المخططات القطاعية، مثل استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030. ومع ذلك، يثير هذا الاتجاه تساؤلات حول دقة المعلومات المتداولة عبر هذه المنصات وقدرتها على تعويض مصادر الإرشاد الفلاحي التقليدية.
واقع جديد
يعتبر القطاع الفلاحي أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني، حيث يساهم بنحو 14% من الناتج الداخلي الخام ويشكل مصدر عيش للعديد من سكان المناطق القروية. ومن أجل دعم المنتجين، كانت الاستشارة الفلاحية جزءاً من إدارة هذا القطاع، حيث أُطلقت الاستراتيجية الوطنية للاستشارة الفلاحية في عام 2010، وتأسست مؤسسة عمومية لهذا الغرض في عام 2014.
بينما تتعزز التجربة المغربية في تقديم الاستشارة الفلاحية، بدأت تظهر تجربة موازية تتمثل في تبادل التجارب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعرف بمشاركة الممارسات الجيدة. يرتبط التبادل الرقمي للخبرات بين الفاعلين بمختلف سلاسل الإنتاج، سواء في الزراعة الكبرى أو تربية الماشية.
تحديات المعرفة
قال عصام فرياط، مستشار فلاحي معتمد، إن « المعرفة الفلاحية لا تزال حكراً على التقنيين والخبراء، بينما يشكل صغار الفلاحين غالبية المهنيين، مما يجعلهم يبذلون جهوداً مضاعفة للحصول على المعلومات الدقيقة والموثوقة ». وأوضح أن « التدفق المستمر للمعرفة عبر المنصات الرقمية يمكن أن يصحح بعض الممارسات الزراعية الشائعة ويترك أثراً إيجابياً على الإنتاجية ».
يظهر انخراط المهنيين في الوسائط الرقمية كنتاج طبيعي للتحول الرقمي، مما يعكس وعياً متزايداً بأهمية تبادل المعارف الفلاحية. وقد دفع هذا التوجه المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية إلى رقمنة بعض خدماته، مثل منصة « أرضنا – ARDNA ».
المشاركة الرقمية
تشير الإحصائيات إلى أن 22.8 مليون مستخدم في المغرب يستخدمون « فيسبوك »، و21.6 مليون يستخدمون « يوتيوب »، و15.1 مليون يستخدمون « إنستغرام »، مما يعكس الاهتمام المتزايد بالقطاع الفلاحي. يعتبر محمد نصر الله، فاعل في مجال تربية المواشي، أن « انفتاح المهنيين على التقنيات الجديدة ضرورة لا مفر منها، حيث يساهم في نقل التجارب إلى جيل جديد من الفلاحين ويعزز فرص التسويق ».
تحديات المعلومات
على الرغم من الفوائد، يثير هذا الاتجاه بعض التحفظات، خاصة فيما يتعلق بانتشار محتويات غير دقيقة. دعا المختصون إلى ضرورة الاعتماد على مصادر موثوقة. وأكد فرياط أن « التمييز بين المعلومات الدقيقة وغير الدقيقة ممكن، شريطة أن يكون المحتوى معروفاً بوضوحه وموضوعيته ».
في الختام، يتطلب تعزيز الرقمنة في القطاع الفلاحي جهوداً مستمرة لضمان دقة المعلومات وتوسيع نطاق الاستفادة من التقنيات الحديثة، مما يسهم في تحسين الإنتاجية ويعزز من استدامة القطاع.
